محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

141

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

قال : أحدّثك بشيء لعلّ اللّه تعالى ينفعك به واكتم عليّ حتى أموت : إنّ الملائكة تزورني فآنس بها وتسلّم علي فأسمع تسليمها . وقال بعضهم : دخلنا على « سويد بن شعبة » نعوده ، فرأينا ثوبا ملقى فما ظننا أن تحته شيئا حتى كشف ، فقالت له امرأته : أهلي فداؤك ، ما نطعمك وما نسقيك ؟ فقال : طالت الضجعة ، ودبرت الحراقيف « 1 » ، وأصبحت نضوا « 2 » ما أطعم طعاما ولا أسيغ شرابا منذ كذا . فذكر أياما ، ثم قال : ما يسّرني أني نقصت من هذا قلامة « 3 » ظفر » . فهؤلاء شاهدوا في بلاياه عطاياه ، وفي محنه مننه ، وفي عنفه لطفه ، فأوجب لهم ذلك من الرضا بما هم فيه والتنعم به والتلذّذ ما حملهم على أن لا يحبّوا زوال ذلك عنهم ولا نقصانه . ووجوه الألطاف والمنن في البلايا لا تحصى ، ولكنّا نذكر منها هاهنا ما يزداد المريد به قوة ، وحسن ظنّ بربه عزّ وجلّ ، ويحمله ذلك على القيام بواجبها ؛ فنقول : البلايا التي يبتلي اللّه بها عباده مناقضة لإرادتهم ومنغّصة لشهواتهم وكل ما أزعج النفس ونغّصها وآلمها فهو محمود العاقبة من قبل أن ذلك رادّ له إلى اللّه تعالى وملازمة بابه بصدق اللجاء والافتقار ، وهذا هو أعظم فوائد البلايا ويجد ذلك من نفسه كلّ من نزلت به بلية أو أصابته رزيّة ، وفيها أيضا ضعف النفس وذهاب قوتها وبطلان صفاتها ؛ إذ بوجود ذلك يقع العبد في الذنوب والمعاصي ، وتتأكد منه الرغبة في الدنيا ، والحرص على اتباع الهوى . وقد قيل : « لا يخلو المؤمن من علة أو عيلة ، أو ذلّة أو قلّة » . وفي الخبر عن اللّه تعالى : « الفقر سجني ، والمرض قيدي أحبس بذلك من أحببت من عبادي » . وفيها أيضا تحصل له طاعات القلوب وأعمالها ، وذرّة منها خير من أمثال الجبال من أعمال الجوارح ، وذلك مثل : الصبر ، والرضا ، والزهد ، والتوكّل ، وحبّ لقاء اللّه تعالى . قيل لبعد الواحد بن زيد ، رضي اللّه عنه : « هاهنا رجل قد تعبّد خمسين سنة فقصده فقال : أخبرني عنك ، هل قنعت به ؟ قال : لا . قال : فهل أنست به ؟ قال : لا . قال : فهل رضيت عنه ؟ قال : لا . قال : فإنما مزيدك منه الصلاة والصايم ؟ قال : نعم . قال : لولا أني أستحي منك لأخبرتك أنّ معاملتك له خمسين سنة مدخولة ! ! » . قال أبو طالب المكّي ، رضي اللّه عنه : أراد بذلك أنه لم يرفعك بأعمالك إلى

--> ( 1 ) الحراقيف ( ج ) حرقفة : عظم رأس الورك . دبرت : ذهبت وولدت بمعنى هنا تلاشت . ( 2 ) النّضو : المهزول من الحيوان . ( 3 ) القلامة : ما قطع من طرف الظفر ، وقلامة الظفر مثل في القلة والحقارة .